لا تقتصر تداعيات الأزمة في الخليج على ارتفاع أسعار النفط، بل تمتد إلى الأمن الغذائي العالمي، مع تعطل حركة الشحن وتهديد إمدادات الأسمدة التي يعتمد عليها المزارعون في إنتاج المحاصيل. ويحذر الكاتب منصور قيصر من أن التأثير الأخطر قد لا يظهر فورًا، بل بعد أشهر، عندما تتراجع المحاصيل وترتفع أسعار الغذاء، ويعجز المزارعون والأسر محدودة الدخل عن تحمل التكاليف المتزايدة.


نشر موقع «ميدل إيست مونيتور» مقال قيصر موضحًا أن اضطراب الملاحة في مضيق هرمز يهدد طرفي المعادلة الغذائية؛ فدول الخليج تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد الغذاء، بينما يعتمد مزارعون في مناطق أخرى من العالم على الأسمدة والمواد الخام التي تصدرها المنطقة. ويحذر المقال من أن استمرار الأزمة قد يؤدي إلى نقص الإنتاج الزراعي وارتفاع تكاليف النقل والغذاء، بما يهدد الدول الفقيرة والأسر الأكثر احتياجًا.

 


مضيق هرمز يهدد إمدادات الأسمدة ومحاصيل الموسم المقبل


عندما يسأل الناس عن تكلفة الأزمة الخليجية على العالم، يتجه تفكيرهم عادة إلى النفط، إذ يمكن متابعة تغير أسعاره يوميًا. لكن التكلفة الأشد إثارة للقلق، بحسب الكاتب، قد تظهر لاحقًا وبهدوء، عندما يضطر مزارع إلى شراء كمية أقل من الأسمدة التي يحتاج إليها، فيحصد محصولًا أضعف، ثم تعجز أسرة عن شراء وجبة غذائية مناسبة.


وتتزامن مشكلتان في الوقت نفسه؛ إذ تستورد دول الخليج معظم احتياجاتها الغذائية، ما يجعل تأخر وصول السفن تهديدًا مباشرًا لإمدادات الأسواق المحلية. وفي المقابل، تصدر المنطقة مواد خام تعتمد عليها الزراعة في دول أخرى، وبالتالي فإن تعطيل الممرات البحرية يضر بالمستهلكين في الخليج والمزارعين الذين يزرعون المحاصيل على بُعد آلاف الكيلومترات.


وفي 14 أكتوبر، حذر وكيل الأمين العام للأمم المتحدة خورخي موريرا دا سيلفا، الذي يقود فريق العمل الأممي المعني بشحنات الأسمدة، من أن عدم التوصل إلى اتفاق قد يؤدي إلى أزمة أمن غذائي في أجزاء من آسيا وأفريقيا. وأوضح أن الآلية التي تعمل عليها الأمم المتحدة يمكن أن تبدأ العمل خلال سبعة إلى عشرة أيام من التوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران.


وتتمثل إحدى أبرز نقاط الخطة في السماح بمرور خمس سفن يوميًا لنقل الأسمدة إلى الدول الأكثر احتياجًا. ورغم أن هذا العدد يبدو محدودًا مقارنة بحجم حركة الشحن العالمية، فإنه يعكس مدى أهمية تأمين ممرات بحرية محددة لضمان استمرار تدفق الإمدادات الزراعية خلال النزاعات.


وتنبع خطورة الأزمة من حجم مساهمة الخليج في سوق الأسمدة العالمية؛ إذ تشير تصريحات المدير العام لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة «الفاو» إلى أن المنطقة توفر نحو 30 إلى 35% من اليوريا عالميًا، ونحو نصف صادرات الكبريت، وما بين 20 و30% من الأمونيا. وتقدر بيانات نقلها موقع «فيرتيلايزر ديلي» أن كمية تجارة الأسمدة التي تتأخر شهريًا تتراوح بين 1.5 وثلاثة ملايين طن.


ولا تمثل هذه الشحنات مجرد بضائع يمكن تخزينها وانتظار تحسن الظروف لنقلها، بل ترتبط مباشرة بإنتاج القمح والأرز والذرة خلال الموسم الزراعي المقبل. فالزراعة لا تنتظر المفاوضات؛ وإذا وصلت الأسمدة بعد انقضاء الفترة المناسبة لاستخدامها، فلن تتمكن الشحنات المتأخرة من تعويض الضرر، ولن يعيد وقف إطلاق النار نافذة الزراعة التي ضاعت.


وأكد موريرا دا سيلفا هذه النقطة في مايو، مشددًا على أن موسم الزراعة لا يحتمل التأجيل. كما أشار إلى أن عودة الأوضاع إلى طبيعتها قد تستغرق من ثلاثة إلى أربعة أشهر، حتى إذا أُعيد فتح مضيق هرمز فورًا.


ويجعل الفارق الزمني بين وقوع الأزمة وظهور نتائجها من السهل إغفال خطورتها؛ إذ ترتفع أسعار مستلزمات الإنتاج سريعًا، بينما لا يظهر تراجع المحاصيل في الإحصاءات إلا بعد مرور أشهر، عندما تكون فرص تجنب الخسائر قد تلاشت. لذلك، يرى الكاتب أن الحكومات التي تراقب أسعار النفط اليومية وحدها تتابع المؤشر الخطأ، وأن عليها تقييم الأزمة وفق مواعيد الزراعة وتوافر الأسمدة.


ولا تتوقف التداعيات عند الأسمدة، إذ تؤدي زيادة تكاليف الشحن إلى ارتفاع تكلفة نقل الغذاء وتشغيل المعدات الزراعية. وذكرت وكالة «رويترز» في 13 أكتوبر أن تكاليف شحن النفط سجلت مستويات قياسية جديدة، في ظل المخاطر المرتبطة بمضيق هرمز، فيما تجاوزت تكلفة استئجار ناقلة نفط عملاقة لنقل النفط الأمريكي إلى آسيا 77 مليون دولار في وقت سابق من الشهر، بزيادة تفوق 700% على متوسطها خلال عام 2025.

 


وتؤدي زيادة أسعار الوقود إلى رفع تكلفة تشغيل الجرارات الزراعية، ونقل مستلزمات الإنتاج إلى القرى، وتوصيل الأغذية إلى الأسواق. ولذلك، حتى الدول التي لا تستورد كميات كبيرة من احتياجاتها من الخليج قد تجد نفسها أمام ارتفاع في تكلفة الغذاء.

 


اعتماد الخليج على الاستيراد يكشف هشاشة الأمن الغذائي


تواجه دول الخليج نفسها خطرًا مباشرًا بسبب اعتمادها الكبير على الواردات الغذائية. وتشير تقديرات نقلتها «رويترز» إلى أن المنطقة تستورد ما بين 80 و90% من غذائها، فيما قال نيل كويليام، الباحث في «تشاتام هاوس»، إن أكثر من 70% من الغذاء الذي يصل إلى دول مجلس التعاون الخليجي يمر عبر مضيق هرمز.


وأضاف كويليام أن المخزونات الغذائية وتنوع مصادر الاستيراد قد يساعدان دول المنطقة على الصمود لبضعة أشهر فقط. ورغم أن الثروة المالية تتيح شراء الشحنات وتغطية تكاليف النقل الجوي، فإنها لا تستطيع ضمان عبور السفن إذا أُغلق الممر البحري.


وتكشف الأزمة درسًا يتجاوز منطقة الخليج؛ فشراء السلع من عشر دول لا يعني امتلاك عشرة مسارات آمنة لنقلها. وإذا اضطرت كل الشحنات إلى المرور عبر مضيق واحد أو ميناء واحد أو مركز توزيع واحد، فإن تنوع مصادر الاستيراد يظل شكليًا، لأن جميع الإمدادات تبقى عرضة للخطر نفسه.


وقد تمنح المخزونات الاستراتيجية الحكومات وقتًا للتعامل مع الأزمات، لكن فائدتها تتوقف على القدرة على تعويضها ونقلها بسرعة. ويؤكد الكاتب أن الأمن الغذائي الحقيقي يتطلب متابعة رحلة الغذاء كاملة، بدءًا من المورد الأجنبي، مرورًا بالسفينة والميناء والمستودع والإجراءات الجمركية والشاحنات، وصولًا إلى المتاجر المحلية؛ فإذا تعطلت أي حلقة من هذه السلسلة، تراجعت فاعلية بقية حلقاتها.


ولا تتوزع الخسائر بالتساوي بين جميع الفئات؛ إذ تستطيع الشركات الزراعية الكبرى الاستفادة من المخزونات والائتمان والموردين البدلاء، بينما يضطر المزارع الصغير الذي يواجه ارتفاع الأسعار إلى شراء كميات أقل من الأسمدة أو تقليص المساحات المزروعة. وفي الوقت نفسه، قد تكتفي الأسر الميسورة بالشكوى من ارتفاع فاتورة البقالة، بينما تضطر الأسر الفقيرة إلى تقليل وجباتها.


وهكذا، قد يتفاقم الجوع حتى عندما تظل أرفف المتاجر ممتلئة، لأن المشكلة لا تقتصر على توافر الغذاء، بل تشمل قدرة الناس على تحمل تكلفته. ويشدد المقال على أن الأمن الغذائي لا يُقاس بالأرقام الإجمالية للمخزونات الوطنية وحدها، بل بقدرة المزارع على الحصول على مستلزمات الإنتاج المناسبة، في المنطقة الصحيحة، وبسعر يستطيع دفعه، وفي الوقت الملائم لدورة المحصول.


ويستشهد الكاتب بباكستان، داعيًا إلى تقييم وضعها الغذائي بدلًا من افتراض أنها بمنأى عن الأزمة أو محكوم عليها بالتضرر منها. ويشمل هذا التقييم تحديد حجم إنتاج الأسمدة محليًا، والكميات المستوردة، والمخزونات المتاحة، ومواعيد الشحنات المقبلة، ومدى قدرة المزارعين في المناطق المختلفة على تحمل الأسعار.


وقد تخفي الأرقام الوطنية العامة تفاوتًا كبيرًا بين المناطق؛ فوجود طن من الأسمدة في مستودع بمدينة كراتشي لا يفيد مزارعًا يحتاج إليه في منطقة أخرى، إذا تعذر نقله إليه في الوقت المناسب أو ارتفع سعره عن قدرته الشرائية. ولذلك، يدعو الكاتب إلى نشر البيانات المتعلقة بالمخزونات والشحنات المنتظرة، حتى تتمكن الحكومات المحلية والمزارعون والتجار من التخطيط على أساس معلومات واضحة.

 


الحل يبدأ بتأمين الممرات البحرية وتنويع طرق الإمداد


يرى الكاتب أن حلًا دبلوماسيًا للأزمة أصبح متاحًا بالفعل، إذ وضعت فرقة العمل التابعة للأمم المتحدة آلية لتسهيل مرور شحنات الأسمدة، تستند إلى تسجيل السفن وتنظيم حركتها ومراقبتها والتحقق من الشحنات والإبلاغ عن مساراتها. واستلهمت الآلية بعض عناصر ترتيبات أممية سابقة دعمت نقل الحبوب، لكنها تقتصر على الأسمدة ومدخلات إنتاج مرتبطة بها، وصُممت لتكون مؤقتة.


ولا تدعي الآلية أنها تحسم الخلاف بشأن حرية الملاحة، بل تسعى إلى توفير قدر من الثقة وتسهيل نقل الإمدادات بينما تستمر المفاوضات الأوسع. وأفاد مسؤولون أمميون بأنهم طوروا الخطة بالتشاور مع الأطراف المعنية، وأنها حظيت بدعم قوي من الدول الأعضاء، خصوصًا الدول الفقيرة التي تعتمد على استيراد الأسمدة.


ويدعو الكاتب الحكومات المعنية بأسعار الغذاء إلى إعلان دعمها للخطة بوضوح، مع تقديم المساندة اللازمة لتنفيذها. لكنه يحذر من أن إنشاء ممر آمن على الورق لا يعني بالضرورة تأمينه في البحر؛ إذ لن يستخدمه أفراد الطواقم البحرية ومالكو السفن وشركات التأمين ومشغلو الموانئ ما لم يقتنعوا بأنه يوفر مستوى مقبولًا من الأمان.


ويتمثل الاختبار الحقيقي لنجاح الآلية في حجم الأسمدة التي تصل إلى وجهاتها، ومدى انتظام مواعيد الإبحار، وقدرة المزارعين على الحصول على احتياجاتهم قبل انقضاء فترة استخدامها. فالإعلان عن اتفاقات جديدة لا يكفي إذا لم تنعكس نتائجها على حركة الشحن والإنتاج الزراعي.


وعلى المدى البعيد، تبرز الحاجة إلى إنشاء طرق تجارية لا تعتمد على مضيق واحد. وتوفر الموانئ العُمانية في صحار والدقم وصلالة خيارات مهمة، لأنها تقع خارج مضيق هرمز وتتصل بشبكات الشحن العالمية. غير أن وصول الغذاء إلى الميناء لا يمثل سوى الخطوة الأولى؛ إذ يتطلب نقله إلى وجهته النهائية طرقًا وشاحنات وإجراءات حدودية ومخازن مبردة وتمويلًا كافيًا.


كما أشار موريرا دا سيلفا إلى أن الهجمات في البحر الأحمر وعلى سفن الشحن في البحر الأسود تزيد الضغط على الإمدادات الغذائية العالمية. ومن ثم، فإن تجاوز أحد الممرات البحرية المهددة لن يحقق الكثير إذا واجهت الشحنات تأخيرات أو تكاليف إضافية في الممر التالي.


ويقترح الكاتب دراسة إنشاء ممر تجاري يربط منتجي آسيا الوسطى بأفغانستان وباكستان، ثم بموانئ بحر العرب، ومنها إلى عُمان ودول الخليج. لكنه يؤكد أن هذا المقترح يمثل فرصة تجارية طويلة الأجل تحتاج إلى تقييم واقعي للطلب وتكاليف الشحن وموثوقية النقل، ولا يصلح حلًا عاجلًا لإنقاذ الموسم الزراعي الحالي.


ويتطلب المشروع أكثر من إنشاء الطرق؛ إذ يحتاج التجار إلى حدود مفتوحة يمكن الاعتماد عليها، وقواعد عبور تُطبق فعليًا، وإجراءات جمركية سريعة، ومستودعات مناسبة، وسلاسل تبريد متكاملة لنقل المنتجات الطازجة. وتظل العقبة الأصعب سياسية، إذ يطرح الكاتب تساؤلًا حول قدرة باكستان وأفغانستان على إبقاء خطوط العبور مفتوحة إذا تدهورت العلاقات بينهما.


فالممر التجاري الذي يُغلق كلما تصاعد التوتر السياسي لا يلغي المخاطر، بل يستبدل خطرًا بآخر. وقد يشجع تقاسم الأرباح الطرفين على استمرار تشغيله، لكن المصالح الاقتصادية لا تقدم ضمانًا كاملًا لاستمراره. وإذا أرادت باكستان الاضطلاع بدور مهم في هذا المسار، فعليها إثبات موثوقيتها عبر تسريع الإجراءات الجمركية، وفرض رسوم واضحة، وضمان وصول الشحنات سليمة وفي مواعيدها.


ويمكن للشركاء الخليجيين دعم هذا المشروع من خلال اتفاقات شراء طويلة الأجل، وشراكات لوجستية، واستثمارات مجدية في التخزين والتوزيع، مع تحديد المسؤوليات ووضع ضمانات للحد من اضطراب الإمدادات. لكن هذه الحلول المستقبلية لا تغني عن المهمة العاجلة المتمثلة في تأمين وصول شحنات الموسم الحالي.


ويطالب الكاتب الدول المستوردة بالإفصاح عن حجم مخزوناتها الغذائية والزراعية والشحنات المنتظر وصولها، ثم مقارنتها باحتياجات المحاصيل، والتنسيق في عمليات الشراء عندما يحقق ذلك فائدة. كما ينبغي توجيه المساعدات أولًا إلى المزارعين الأكثر عرضة لخسارة محاصيلهم، وتقديم إرشادات عملية بشأن الاستخدام الأكثر كفاءة للأسمدة، إلى جانب حماية الأسر الفقيرة من ارتفاع أسعار الغذاء.


ودعت منظمة الأغذية والزراعة الحكومات إلى إبقاء التجارة مفتوحة، وتعزيز الشفافية في الأسواق، وتوجيه الدعم الاجتماعي إلى الفئات الأكثر احتياجًا. ويحذر المقال من أن لجوء كل حكومة إلى اتخاذ إجراءات منفردة بدافع الذعر قد يزيد تقلب الأسعار بدلًا من احتواء الأزمة.


ولا يرى الكاتب أن اندلاع أزمة غذاء عالمية أمر حتمي، بل يعتبره خطرًا يتوقف حجمه على مدة تعطل الإمدادات، وظهور مصادر بديلة، والظروف الجوية، وحجم المخزونات، والقرارات التي تتخذها الحكومات. ومع ذلك، يشدد على أن الممرات التجارية الجديدة لن تنقذ الموسم الزراعي الحالي، وأن تصويرها باعتبارها حلًا فوريًا سيكون مضللًا.


وفي المحصلة، تتوزع مسؤولية التعامل مع الأزمة بين الدبلوماسيين الذين يتعين عليهم ضمان حركة الشحن، والحكومات التي ينبغي أن تحمي المزارعين والأسر الأكثر فقرًا، والمستثمرين ومخططي البنية التحتية الذين تقع على عاتقهم مهمة إنشاء خطوط إمداد قادرة على الصمود عند تعطل أحد المسارات.


ويختتم منصور قيصر مقاله بالتأكيد على أن الأشخاص الذين سيدفعون ثمن الأزمة لا يملكون قرار كيفية خوض الصراع. فالأمن البحري بالنسبة إليهم يعني توافر الأسمدة في المتاجر، ونجاح المحاصيل في الحقول، والقدرة على شراء الخبز بأسعار مناسبة. وبينما تكشف أسعار النفط إحدى تكاليف الحرب خلال ساعات، لا تظهر تكلفة المحاصيل التي تفشل في النمو إلا بعد أشهر، وهو ما يستدعي التعامل مع الأمن الغذائي بوصفه جزءًا أساسيًا من حسابات الأزمة، لا نتيجة ثانوية لها.

 

https://www.middleeastmonitor.com/20261017-beyond-oil-the-gulf-crisis-is-becoming-a-food-security-crisis/